: استفتاء:
مــا رأيك فى مجلة النرد ؟
نانيس خطاب والولوج الى عوالم الطفل التأسيسية .. : مهند التكريتي | دراسات | الرئيسية

نانيس خطاب والولوج الى عوالم الطفل التأسيسية .. : مهند التكريتي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image



يخيل لنا أن التوغل في نقد أي عمل أدبي للأطفال ، يكتبه كاتب  عربي أو غربي ؛ ستثير وبلا أدنى شك عدة اشكالات وحواجز كالافتقاد إلى تقاليد منهجية لفك طلاسم هذا العمل على الرغم من كل تجاربنا الواعية والطويلة في هذا المجال ومن خلال الاطلاع على ما كان يدون وينشر في أدبياتنا المقروءة خلال أعمارنا المبكرة .
 
وعلى الرغم من أن الدراسات النفسية والثقافية التي تنحى منحى ً ترسيخيا ً لمجموعة القيم المراد تعليمها للطفل الناشئ فأن النقد سيظل بعيدا ً عن النص والأنماط الإبداعية المتصلة بها للدخول إلى عالم الطفل الحلمي ، إذن كيف سنستطيع أن نتوغل في دراسة هكذا نصوص إذا ما طرحت على طاولة النقد ، من دون أن نمتلك المعرفة المؤهلة لذلك ، إذ أننا ولاشك سنعتمد على تذوقنا الخاص فنحاول أن نؤسس لبنية تجريبية تقودنا إلى سن أسلوب معين نستخدمه بشكل أو بآخر كوسيلة لتحقيق نوع من التقارب البسيط للولوج إلى داخل النص ومحاولة حصر مدركاته وموجهاته من خلال وضع محطات إضاءة تمهد لترسيخ ميول الكاتب قبل وضعه لحجر الأساس الأول له ومراحل تضخم عقدة الحدث خلال مرورها بمراحل البناء القصصي المعروفة من ( شخصيات ، حبكة ، لغة توصيل ، نهاية ) .
 
لذلك قد يبدو السؤال قائما ً عن سبب اختياري لمجموعة سارق السعادة للقاصة نانيس خطاب للدراسة فأقول بأن جَرْس الإيحاء الداخلي لدي وأنا أطالع نصوصها المكتوبة بنظرة فاحصة لمعالجة الأحداث التي تمر فيها مصر حاليا ً ، ومن خلال اتخاذ بنائها السردي الموظف لهذا الغرض ، بما يكشف عن انفعالات النص ، نراهن على مقاربة ما كان مسكوتا عنه في الماضي القريب مما يلائم ومتغيرات الثورة المطروحة على أرض الواقع المصري على نحو  خاص ، والعربي بشكل عام .
ان فاعلية البنى القصصية وعناصرها الداخلية وما تجيش به عبر علاقات منفتحة على مرجعيات خفية من الفكر الجمعي والشخصي الموروث ، حفزني لكتابة هذه الورقة النقدية البسيطة عنها ومحاولة تناولها بعين النقد .

×         ×          ×


فعلى الرغم من عدم اطلاعي على أي نتاج قديم للكاتبة ، الا أنني ومن خلال تفرسي في مجموعتها الأخيرة الصادرة  ضمن سلسلة قطر الندى عن  هيئة قصور الثقافة العامة في مصر ، ومن خلال سبري لأغوار هذه العوالم ، وجدت بأن الكاتبة تكاد أن تتفرد بذكاء وحساسية بدخولها  اليها ، وبالتقاطاتها البارعة ، وباستحضارها ذهنية تتصل بعمق بذهنية عالم الطفولة في أشد أواصرها حين تقع على موضوعات تحاول غرسها ضمن المناخ العام  لعقولهم الجمعية وهذا ما يذكرنا بالأدب التعبوي الذي حاولت الكثير من أنظمتنا تأسيسه في منطقة اللاوعي الجمعي  من عقول ناشأتهم ، إلا  أن لكاتبتنا رؤية بعيدة عن هذه الرؤية الضيقة التي قد يبدو للبعض أنها تحصر نصوصها فيها ، من خلال تضمينها لمرجعيات تتعلق بالأدب الحكائي ، وتأثيرات الحضارة اليونانية في جوهر البناء الرمزي  للموروث الشفاهي لدى الشعب المصري على نحو خاص . كل هذا أسس لمفاهيم  انغلقت عليها نصوص قاصتنا المتسمة بسحرية القص الحكائي وحكميتها وإرشاديتها واستنطاق كائنات قريبة من الطفل تتصل برؤية فنتازية مرة ، وأخرى برؤية واقعية تقع على الفعل الاحتمالي والتجريبي من خلال ثنائية تربط بين عالم الانسان والموجودات القابلة للأنسنة في محاولة لبث روح الفكر والعاطفة ، في أشد علاقة وأقوى خيال واستيحاء الكثير من الرموز القريبة من المشهد اليومي الفعلي للطفل ، أو المشاهد التي ستؤسس تغيرات اللحظة الراهنة في مصر ، وتفرعات عناصر المشهدين الى بنى ورؤى وأخيلة وانطباعات وأفكار وأحلام منسوبة لهذا الخزين الذي يثري مشهد القص ، بغية استقدام الآراء الثقافية والاجتماعية والمعرفية والحكمية لقيام التجربة الكلية لها كل هذا بعيدا ً عن الجاهزية والمباشرة الفوتغرافية الجامدة .
 
المجموعة تتألف من 31 صفحة من القطع المتوسط ، ضمت بين طياتها 4 نصوص مميزة وضعت لتخاطب عقلية من هم بين الـ(( 6 – 12 )) عاما ً ولتواكب مايجري على الساحة المصرية من احداث انتقالية .
وتفتتح القاصة مجموعتها بمقدمة مستقاة من النسق الحكائي والميثلوجي اليوناني الذي يبدو في نبراته اللفظية تأسيسا ً يوتوبيا ً  لتستل مقدمة أول قصصها ( حائكة الأماني ) ، وهي قصة تم نسجها بأسلوب إطاري متطور ، تجسدت فيه شخصية حفيدة الحائكة المتوفاة(  سارة ) ، والتي كانت تغدق على أهالي بلدتها بأمنيات تزرعها في أصيص طيبتها لتبعثها مادة لخلق أبجديات جديدة تؤثث لحياة جديدة ، كان من شأنها أن توانى أهل قريتها عن العمل ليستلقوا على فراش الأماني الوثير المبعثر بلغة الكسل والخمول إلى أن استطاعت ( سحر ) الحفيدة المنتخبة وعبر تشرذمات حلمية أن تعيد أهل قريتها إلى طبيعتهم عبر زرع أمنياتهم المنسوجة على نولها الذكي بخيوط النواتج العرضية التي قد تصيب المتمنين الجدد ، مشيرة إلى تغير زمن الركود والاتكال على الأماني إلى زمن الجد والعمل لتشكل معادلاً موضوعيا ً يقتنص أبجديات اللعبة .
 
وفي(  عيون الجمل )  القصة الثانية تأخذنا القاصة  برؤية فنتازية انتهجتها مبتدئة ً من جملة الاستهلال الأولى وحتى بلوغها خط منتهى السرد ، حيث نلاحظ ذعر الملك الأسد الذي كان يعامل أفراد غابته بالحديد والنار ،من فقدانه لبصره وأمره لأحد أفراد حاشيته بجلب طبيب الغابة ، الذي يدبر مع أفراد الحاشية الملكية مخططا ً لردع مقدار الظلم والقهر الذي سقاه هذا المستبد لجميع من يخضع تحت حكمه ، فما كان من طبيب المملكة إلا أن يعالج عيون حاكمه الظالم بزرع عيني  جمل نافق ليحقق مفارقة مدروسة وظفتها القاصة عبر منح كنايات الخطاب الشعاري لبعض الأمثال الشعبية سطوة الضربة التي حققتها والمتمثلة بخوف الملك من الجميع واختبائه خلف ستارته ، نتيجة لرؤيته الموجودين ضخاما ً وتقزم الحلقات التي كان يحيط بها نفسه ليعزلها عن براثن من كان يظن أنهم سيأتون يوما ً ليقتلعوا منه عرشه .كما وتبين لنا ومن خلال تناغم الحدث عن الكيفية التي ستؤدي الى تصادق كل المخلوقات المغيبة  فيما بينها عبر مساحة حياتية ليتحقق حلم الكاتبة في سياحتها اللغوية المعتدلة ولتحقق نقلة تساؤليه مقبلة أمام المتلقين اليافعين
 
أما في قصتها الثالثة ( انتحار قلم )  فتتعرض الى مشكلة ما قد  تمثله الكلمات التي يمكن أن تنجزها الأقلام ، فهي المرشد الأول للتعلم والتدوين وهي التي يًخط فيها   وتتخذ القرارات ، وهي التي تتغنى بكتاباتنا عن مشاعل الحلم في انتهاج مسارات لحلم وردي ، مبني على غيوم أمالنا بوطن حر ، مزدهر ، وهو الذي تناط به مهمات الاقصاء والتدمير الذي قد يمارسه بعض المتنفذين على سلطة الخطاب اللغوي أو السياسي ، حيث تشعرنا وعبر انتقالاتها البسيطة إلى وصول أحد الأقلام إلى حالة من التيقظ ، تجبره على الوقوف فوق جبل الحرية ، ليعلن أمام كل الأقلام التي نسيت أدوارها ، من خلال مزاولة مايمليه عليها ماسكوها ، وعبر اشتقاقات لأحالات مؤنسنة ، أسقطتنا فيها لتعبر عن ارهاصات طالما حلمنا في التعبير عنها كمثقفين واعين ومؤمنين بأصالة الدور الذي ننتهجه للنهوض بواقع مجتمعاتنا الموبوءة بعقد من يحكموننا ويفرضون علينا أساليب وصاياتهم الفكرية ، التي لن تجر على بلداننا ومجتمعاتنا إلا الخراب ما لم ننهض من غيبوبتنا هذه ، لنعيد الأمور إلى نصابها ، ولنثقب هذا الواقع المر ، ليمر النور للأجيال القادمة . 
 
وفي قصتها الأخيرة ( الكلب الدمية )  قامت بطرح معاناة مدينة الطيور ، التي تم السيطرة عليها من قبل جيش من قراصنة الثعالب ، الذين يشترطون على أهالي المدينة المغلوب على أمرها أن يتنازلوا عن مساكنهم وممتلكاتهم الثمينة ، لحكامهم الجدد ، وأن يهموا بالتخطيط لمرحلة جديدة تتضمن رسم خارطة لحلم جديد نازف على أكتاف نزوح قادم ، وأمنيات العثور على أرض تستحق أن تكون بلدا ً ومسكنا ً جديدا ً ، إلا أن فطنة ثلاثة من كتاكيتها (( جهاد وحكيم و حرية )) ، استطاعت أن تقلب الطاولة على خطة الثعالب الماكرة ، من خلال التفكير بسحب دمية لكلب قديمة ، وضعها رجل عجوز أمام منزله ، ليقوم بافزاع الضيوف المتطفلين وغير المرغوب فيهم ، إذ وظفوه لإفزاع الثعالب المحتلة ، وهنا تباغتنا القاصة بانهاض بنية لتشكيل سردي – مؤنسن مجبول بتجسيدات استعارية تستخدمها كاسقاطات مدروسة لتبيين أمام القارئ ، عظم الهوة التي تعمل على سقوط الشعوب النائمة في آبار العصر الاستعماري المتربص بمناطقنا المنتهكة ، وبوجوب شحن الجيل المقبل بآليات تمكنه من التخطيط للحفاظ على رمزية  الإرث الثوري الذي أوصلته إليه الأجيال السابقة .
 
ورغم أن الكاتب محمد عبد الرحمن شحاتة  قد قدم للمجموعة تقديما ً جاء فيه { يعد كتاب سارق السعادة للكاتبة / نانيس خطاب . والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة . إضافة جديدة في أدب الطفل . ففكرة الكتاب تقدم نظرة مختلفة غير التي اعتدنا عليها . الفكرة معبرة عن الواقع جداً . وبخاصة تفاصيل بعض الأحداث التي رأيناها في السنين السابقة . كما أن القصص تعرض الكثير من المواقف المشجعة . والتي بلا شك معرفتها تلعب دوراً هاماً في حياة الطفل . 
 
الكتاب يتكون من أربعة قصص " حائكة الأماني ، عيون الجمل ، انتحار قلم ، الكلب الدمية " . 
بالنسبة للأولى " حائكة الأماني " . فهي ترسخ في ذهن الطفل ضرورة العمل والسعي له . وتنمي لديه الحافز للتقدم والانتاج . وتعرفه بأن الصحة لابد وأن تستثمر في عمل مفيد .
 
أما  القصة الثانية " عيون الجمل ". فهي تعلم الأطفال عدم الاستسلام للظلم وإن كان حاكماً ويمتلك السلطة . وأعتقد أن هذه الفكرة لابد وأن نرسخها جيداً في عقول أطفالنا حتى لانبني أجيالاً تقبل الظلم والاستبداد . وهاهي الكاتبة نانيس خطاب تقدمها لهم على طبق من فضة . 

أما القصة الثالثة " انتحار قلم " . فهي تجربة من نوع خاص . تسعى لتعليم الطفل أهمية القلم . وأهمية حريته . وأن يصوب كلماته في هدم الباطل . وأن يكون محايداً لاينحاز إلى أحد . وأن يكون في إنصاف الحق دائماً . 
أما الرابعة " الكلب الدمية " . فرغم أنها نوع من المشاكسة . إلا أنها عميقة المعنى . تعلم الطفل أن لاداعي للاستسلام وإن استسلم الكبار . وأن يستخدموا ذكاءهم الفطري لدفع الشر بأبسط الوسائل . بمجرد استخدام الشيء الذي يخشاه العدو .
 
الكتاب يعطي للطفل خطوطا عريضة مفيدة في الحياة . بينما هو يستنتج منها ما يجب أن يفعله . وما يجب أن يتصرف به في مواقف عديدة . كما أن الرسوم الذي استطاع الفنان / إبراهيم البريدي أن يوظفها فهي مطابقة لأحداث الكتاب . تلعب دوراً كبيراً في توصيل مضمون الفكرة إلى الطفل . وتجعله وكأنه يعيش الحدث .
 
وكأنه هو الذي يتصرف وقرر ويستنتج . وهكذا نريد دائماً الإبداع . أن يضيف ماهو جديد .ومفيد } 
الا أنه أهمل التحدث عن  تغييب الأماكن خلف تراسلية فعالية النص من تعقيد ترتيب عناصره عبر اعادة ترتيب فعالية النسيج القصصي والحوار ومكونات القص والاستهلال وعناصر العقدة والحوار المبني بلغة بسيطة وموجهة ليتواءم ونفسية الطفل المتلقي في أدق علائقه الذهنية والحسية وعبر سلسلة من الألفاظ السلسة المبنية لتثوير الأفكار الموضوعة من خلال استنطاق غاياتها واهدافها .
 
مهند التكريتي ــ بغداد  

532
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

مؤسسة النرد للثقافة والفنون ـ2010 ـم

المحرر العام / محمد علي سلامة